أبو علي سينا
مقدمة الشفاء 8
الشفاء ( المنطق )
فرصة الالتحاق بحاشيته ، والاشتراك في مداواته من داء حار فيه الأطباء . وأضحى أثيرا لديه ، بحيث مكّنه من زيارة مكتبته والاطلاع على ما فيها من تحف ونفائس « 1 » . فوقف فيها على ما لم يقع اسمه لكثيرين من كتب الأوائل ، وما لم يره هو من قبل ولا من بعد . وما أسرع ما أقبل على هذه الكتب ، فقرأها وظفر بفوائدها ، وعرف مرتبة كل رجل في علمه « 2 » . من هذه القراءة الواسعة البصيرة خرج بعد الهضم والتمثيل " كتاب الشفاء " ، فبدا فيه جانب التأثر والتأثير ، والأخذ والابتكار ، والتقليد والتجديد . وإذا كان ابن سينا - على عادة كثير من مؤلفي الإسلام - ضنينا بذكر مصادره ، فإن الاطلاع على كتابه هذا يكشف عن تلك المصادر ، التي أشار إلى بعضها في المقدمة إشارة مجملة « 3 » . ومن ذا الذي يقرأ أجزاءه الفلسفية مثلا ولا يلمح أرسطو وشراحه ماثلين ؟ فيرى أقوالهم وقد عرضت بنصها أحيانا بحيث يمكن ردها إلى أصولها ، أو نوقشت مناقشة تدل على ما دار حولها من خلاف في عهد ابن سينا أو قبله . ولقد عرض الباحثون للقرن الرابع الهجري ، وعدّوه العصر الذهبي في تاريخ الدراسات العقلية الإسلامية . فاستقام لعلم الكلام أمره بعد محنة خلق القرآن ، واسترد اعتباره على يدي الأشعري . وسما التصوف إلى القمة ، فانتقل من النسك والزهادة إلى شرح أحوال النفس ومقامات العارفين ، والقول بالاتحاد ونزول اللاهوت في الناسوت كما كان يذهب الحلّاج . وأخذت الفلسفة الإسلامية تستكمل أسسها ومبادئها بما أضافه إليها الفارابي من عمق
--> ( 1 ) القفطي ، تاريخ الحكماء ، ص 416 - ندع جانبا ما أثير حول حريق هذه المكتبة واتهام ابن سينا بذلك . ( 2 ) المصدر نفسه . ( 3 ) ابن سينا ، المدخل ، ص 11 .